الطبلاوى.. “مارادونا القراء”!!

مختار محمود

كان القارئ الشيخ “محمد محمود الطبلاوى”، الذى غيبه الموتُ أمس عن 86 عامًا، مُحبًا لكرة القدم ونجومها، وكان يروقُ له تشبيهُه بالنجم الأرجنتينى “دييجو أرماندو مارادونا”، لذا كان يُسعده لقبُ “مارادونا القراء”، من بين جميع الألقاب التى تم إطلاقها عليه، والناسُ فيما يعشقونَ مذاهبُ.

كان “الطبلاوى”، رحمه الله، آخرَ عظماء دولة التلاوة المصرية التى بدأت ونمت وترعرعت فى بدايات القرن الماضى عبر القراء الكبار: أحمد ندا وعلى محمود ومحمد رفعت وآخرين، رحمهم الله جميعًا، وقويت دعائمها وطبقت شهرتها الآفاق، فيما بعدُ، عبر عباقرة حقيقيين مثل القراء: مصطفى إسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوى ومحمود على البنا ومحمود خليل الحصرى وآخرين، رحم الله الجميع.

ولأنَّ لكل شئ إذا ما تمَّ نقصانًا، فقد انطفأت شمش دولة التلاوة تدريجيًا، وما كان لها أن تنطفئ، حتى اختفت تمامًا مع رحيل الشيخ “محمد محمد الطبلاوى”، بعد مسيرة حافلة وفريدة ومتفردة وممتدة عبر أكثر من ستة عقود. ولعلَّ المفارقة الأليمة أن كتاب “ألحان السماء” الذى كتبه الراحل “محمود السعدنى” فى العام 1959، وصف القارئ الراحل بأنه “آخر حبة فى سبحة عمالقة دولة التلاوة”، وهو ما يعنى أن الشجرة الوارفة لقراء القرآن الكريم الحقيقيين والمبدعيين وذوى الشعبية الجارفة قد جفت أرواقها منذ سنوات طويلة ولم تتجدد أوصالها مرة أخرى رغم العدد الكبير الذى تضمه سجلات إذاعة القرآن الكريم، وكأن البطن التى أنجبت كل هذه اللآلئ قد عقمتْ إلى الأبد.

ورغم الموهبة الرائعة التى حظى بها القارئ الراحل منذ سنواته الأولى إلا إنه واجه ممانعة شديدة عندما تقدم لاختبارات الإذاعة، وهذا شأن الموهوبين دائمًا فى بلادى، وهو سيناريو شبيه بما تعرض له شيخ المنشدين والمبتهلين “نصر الدين طوبار”، وبدا للجميع أن الحيثيات التى كان يتم ذكرها لتبرير الرفض “مُفتعلة ومصطنعة”، حتى تحقق المراد من رب العباد، وتم اعتماده رسميًا فى المرة العاشرة، وكان عمره يناهز 36 عامًا.

ومع إذاعة التسجيل الأول له عبر أثير الإذاعة المصرية حقق القارئ الشاب شهرة طاغية طغت على زملائه القراء، وجعلته موضع حسد لكثيرين منهم. مضى “الطبلاوى” فى طريقه، غير هيَّاب، حتى صار معشوقًا للمصريين، وحققت مبيعاته أرقامًا إعجازية. وكان يذاع له برنامج اسمه “من إذاعاتنا الخارجية” عبر إذاعة “صوت العرب”؛ مما زاد من شهرته، وأصبحت الدعوات توجه إليه من جميع الدول العربية والإسلامية.

سافر “الطبلاوى” إلى أكثر من ثمانين دولة عربية وإسلامية بدعوات خاصة، ومبعوثاً من قبل وزارة الأوقاف والأزهر الشريف ممثلاً مصر في العديد من المؤتمرات ومُحكماً للكثير من المسابقات الدولية التي تُقام بين حفظة القرآن الكريم من كل دول العالم.

اشتهر “الطبلاوي” بأدائه المتميز حتى عُرف بين الناس بأنه صاحبُ مدرسة مُميزة في القرآن، قوامُها: صوته الرخيم وقدرته على الوصول إلى آخر آية إنْ احتاج الوقفُ إلى الوصول لكلماتٍ معينة، وهذا التميز هو ما كان يهدف إليه الشيخ “الطبلاوي” منذ بداية حياته كقارئ.. فيقول رحمه اللهُ: “منذ نشأتي كقارئ للقرآن الكريم في المناسبات، كنت شديد الحرص على الاستقلال والتميز بشخصيتي وطريقتي، وهذا النجاح لم يأتني بين ليلة وضُحاها، ولكنه جاءني بالكفاح والعرق وبذل الجهد، لم أضع المال حاجزا بيني وبين الهدف الذي تتوق إليه نفسي، وهو الوصول إلى القمة في مجال تلاوة القرآن الكريم، فقد قبلتُ السهر في شهر رمضان المبارك بثلاثة جنيهات فقط ،ولكنها كانت كثيرة جداً بالنسبة لي”.

ورغم كل ما حظى به “الطبلاوى” من شهرة شعبية فى الداخل، وشهرة رسمية وشعبية فى الخارج، إلا أن الرجل لم ينل ما يستحقه فى وطنه، كما جرت العادة، حيثُ لا كرامةَ لنبىٍّ فى طنه، فلم يتم تكريمه تكريمًا رسميًا، ولم يحصل على أىٍّ من جوائز وأوسمة وأنواط الدولة المصرية، كما إن تسجيلاته القرآنية هى الأقل إذاعة عبر أثير محطات الإذاعة المصرية، رغم أن تسجيلاته المجودة بلغت 75 ساعة، فضلًا عن التلاوات النادرة والحفلات الخارجية، كما كان الأقل حضورًا فى جميع الفعاليات والمناسبات الدينية الرسمية، كما أن المصحف المرتل الذى سجله بصوته لا يزال حبيس أدراج مسؤولى ماسبيرو يرفضون الإفراج عنه، لذا لم يكن غريبًا ألا يحظى خبر وفاته أمس بالاهتمام الإعلامى الرسمى الكافى الذى يليق به، ولا نعلم إن كان التليفزيون المصرى أنتج عنه فيلمًا وثائقيًا مثلًا أم لا، كما يفعل دائمًا وأبدًا مع صغار الفنانين والفنانات، وهل يحتفظ له بحوارات وتلاوات نادرة أم لا..

رحم اللهُ مولانا الشيخ محمد محمود الطبلاوى قدر إخلاصه لكتاب الله تعالى وإبداعه فى تلاوته مُجودًا ومُرتلًا، فجزاءُ اللهِ خيرٌ وأوفى، أما دولة التلاوة التى انتهت رسميًا بوفاته، فإنَّ لها ربَا قادرًا على إحياء العِظام وهىَ رميمٌ!

التعليقات

أخبار ذات صلة

صفحتنا على فيسبوك

آخر التغريدات